شهدت المنظومة الجامعية المغربية في السنوات الأخيرة تحولاً جذرياً نحو "الرقمنة"، حيث لم يعد اعتماد التكنولوجيا مجرد خيار تكميلي، بل أصبح ركيزة أساسية لإعادة صياغة مستقبل التعليم العالي. ويأتي هذا الورش الكبير استجابةً للمخطط الوطني لتسريع تحول منظومة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار (PACTE ESRI 2030)، الذي يهدف إلى جعل الجامعة المغربية منصة قادرة على تفريخ كفاءات تواكب متطلبات سوق الشغل الدولي والعصر الرقمي.
1. مظاهر التحول الرقمي في الجامعات المغربية
تتجلى معالم الرقمنة في الكليات المغربية عبر عدة واجهات رئيسية، تشمل الجوانب البيداغوجية، الإدارية، والمهارية:
منصات التعلّم المدمج والتعليم عن بُعد: تم إطلاق المنصة الوطنية للتعليم عن بعد (CNDE) التي تُعنى بمركزة الموارد الرقمية وضمان جودتها، إلى جانب اعتماد كليات كثيرة لنظام التعليم الهجين (المزاوجة بين الحضور والدروس الرقمية).
مشروع ومراكز "Code 212": يعد هذا المشروع من أبرز الخطوات الحكومية؛ حيث تم إحداث فضاءات رقمية متطورة ومبتكرة داخل الجامعات (مثل جامعة ابن زهر وجامعة الحسن الثاني) تمكن الطلاب - بغض النظر عن تخصصاتهم الأدبية أو العلمية - من اكتساب مهارات مزدوجة في الترميز، البرمجة، البيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي.
المكتبات الرقمية والبحث العلمي: عملت الكليات على توفير حسابات ولوج لمكتبات وقواعد بيانات عالمية لفائدة طلبة الماستر والدكتوراه (مثل منصات Scholar Books وغيرها)، لتسهيل الوصول إلى أحدث الأبحاث دون قيود جغرافية.
الرقمنة الإدارية: شمل التحديث تبسيط المساطر الإدارية، بدءاً من التسجيل القبلي عبر الإنترنت، مروراً بسحب الشواهد والوثائق الرقمية، وصولاً إلى تدبير المنح والسكن الجامعي.
2. الرهانات والأهداف الاستراتيجية
تراهن الوزارة الوصية والحكومة المغربية من خلال تعميم الرقمنة على تحقيق قفزة نوعية في مؤشرات الأداء:
تطمح المملكة - عبر الاتفاقيات المبرمة بين وزارة التعليم العالي ووزارة الانتقال الرقمي - إلى الرفع من عدد خريجي التخصصات الرقمية في الجامعات العمومية من 8000 خريج سنوياً إلى 22,500 خريج في أفق سنة 2027، عبر إطلاق أزيد من 144 مسلكاً جديداً يشمل الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي.
وتسعى هذه الاستراتيجية إلى تحقيق دمقرطة التعليم العالي، وتخفيف الضغط الاكتظاظي الذي تعاني منه المؤسسات ذات الاستقطاب المفتوح (كليات الحقوق، الآداب، والعلوم)، فضلاً عن الرفع من جاذبية الجامعة المغربية وتدويلها لتستقطب الشراكات والاستثمارات الأجنبية.

تعليقات
إرسال تعليق